تقيم مؤسسة "رحماء الخيرية" ومؤسسة "الكتاب والسنة للأعمال الخيرية" المسابقة الأولى في كتاب: إرشاد الغَبيْ إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.. علماً بأن المسابقة موزعة على عدد من محافظات الجمهورية

يُقدم الشيخ محمد بن أحمد العامري برنامج "ليزدادو إيماناً" على قناة دليل يومياً خلال شهر رمضان في الساعة 6:10 مساءاً ويُعاد في 6:45 صباحاً

الدكتوراه بامتياز لفضيلة الشيخ "العامري" من جامعة ام درمان بالسودان

  
 ما رأيك بحلة الموقع الجديدة؟
 
  
 
 
94599
 
 
 
 
 
صفحات العلماء والدعاة
   
الشيخ محمد بن محمد المهدي
   
حوارات
   
حوار مع الشيخ المهدي حول مستقبل التعليم الديني في اليمن
الجمعة 11 يونيو 2010

 

حاوره/ ذياب عبدالكريم

 

الفرقان: ما هو الدور الذي كانت تقوم به المعاهد الدينية وما زالت في الدعوة إلى الله وما مدى الحاجة في استمرارها في المجتمع؟

 

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

وبعد:

 

جزى الله خيراً الإخوة القائمين على مجلة الفرقان على اهتمامهم بإخوانهم في مشارق الأرض ومغاربها.

 

المعاهد التي ورد السؤال عنها هي ما كان يسمى بمعاهد الفرقان الشرعية والتي أسست ابتداءً في مدينة تعز عام 1414هـ تحت إدارة جمعية الحكمة اليمانية الخيرية وبترخيص من وزارة التربية والتعليم والتي كان مقرها الأساس في مدينة تعز، فقد كان معهد الفرقان في مدينة تعز ويتبع جمعية الحكمة ثم فتح له فروع(1) في كل من: إب، حضرموت،  صنعاء، عدن، الحديدة، وكان يوجد فيها من البنين والبنات -أي في معهد الفرقان مع الفروع- ما يزيد عن (1483) طالباً وطالبة، وهم موزعون على المحافظات، وهذه المعاهد ليست المعاهد العلمية التي سبق إلغاؤها وضمها إلى التربية والتعليم سابقاً، والتي كانت تعد بالمئات والتي كان يديرها إخواننا في التجمع اليمني للإصلاح. لكن هذه المعاهد قليلة محصورة كانت تتبع جمعية الحكمة اليمانية الخيرية، وقد جاءت الحملة على كل ما له صلة بالإسلام عالمياً تلك الحملة الغربية الصليبية تحت ما يمسى بمكافحة الإرهاب، فكان من نصيب هذه المعاهد أنها غُيرت أسماؤها وحولت إلى مدارس بدلاً من أن يقال: معهد الفرقان سميت مدرسة الفرقان وهكذا .. لكن أيضاً كانت تدرس العلوم الشرعية ثم طلب من القائمين عليها أن يدرسوا منهج التربية والتعليم فدرسوه إضافة إلى ما يدرسونه من المناهج الشرعية؛ لأن منهج التربية والتعليم فيه خير يفيد الطالب إلا أنه لا يكفيه أن يكون عالماً مدرساً نافعاً لدينه وأسرته وبلده. هذا الذي حصل في اليمن بالنسبة لهذا المعاهد، وأيضاً كانت هناك معاهد تتبع أشخاصاً ولبعض الجمعيات الأخرى عوملت بنفس المعاملة وألزمت بتدريس منهج التربية والتعليم، أما ما كانت تقوم به فقد كان شيئاً طيباً في وسط المجتمع، وذلك أن الطالب يتربى فيها على التربية الإسلامية في الأقسام الداخلية وأغلب هذه المعاهد كانت أقساماً داخلية وما كان يأتيها غالباً إلا المعوزون والمحتاجون وكانت لهؤلاء الطلاب أنشطة كثيرة طيبة.

 

لقد تعلموا من خلال السكن دروساً متعددة في أوقاتهم فحفظ كثير منهم القرآن (والذين حفظوا القرآن من مجموع المعاهد بالمئات) وحفظ عدد كبير جداً منهم البخاري ومسلماً، ويكفي أن تعرف أن عندنا في مدينة إب عدد الذين حفظوا البخاري ومسلم (34) حافظاً وبعضهم حفظ مع الصحيحين السنن وهم (6 أفراد) وتعلموا الخطابة من خلال دروس أعدت لهم في ذلك ودُرّسوا العقيدة (عقيدة أهل السنة والجماعة) ودرسوا الآداب وحلية طالب العلم, وحضروا المحاضرات العامة الأسبوعية، وكذلك الأسمار العلمية والأدبية والترفيهية وأيضاً من خلال الرحلات التي يرحلون بها إلى مناطق ليزوروا فيها أهل العلم، ومن خلال استدعاء العلماء سواء من أهل البلد أو من غيرهم، ثم أيضاً تعودوا على الخروج الدعوي أسبوعياً يخرجون يومًا واحداً أو أياماً إلى القرى والمساجد المجاورة في منطقتهم، وكانوا يخرجون لخطبة الجمعة وإلقاء المحاضرات ليلاً، وكانوا يتوزعون في عدد كبير من القرى، وكان لهم أيضاً دور في توزيع الأشرطة الإسلامية والكتيبات وفي كتابة المجلات وتوزيعها على المساجد والمرافق العامة التي يستطيعون أن يدخلوا إليها من خلال تقسيمهم إلى مجموعات كل مجموعة تقوم بدورها.

 

ومعلوم أن الشعراء في  اليمن كثيرون يقولون الشعر بكثرة سليقة ولاسيما في محافظة إب فإن لدينا عدداً كبيراً جداً من الشعراء الذين نبغوا في أوساط الشباب الذين يدرسون في هذا المعاهد التي أصبحت مدارس، فعلى كل حال لهم دور طيب في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى من خلال إصلاح أسرهم، ومن خلال إصلاح قراهم ومناطقهم التي يقطنون فيها ويعودون إليها بعد الدراسة بل أصبح كثير منهم أئمة للمساجد ودعاة يقومون بالدعوة إلى الله تعالى باستمرار، وأيضاً لهم تفوق في دراستهم الجامعية وبعضهم التحق بالجامعات الحكومية والبعض الآخر في الجامعات الأهلية، ولهم بروز قوي جداً خاصة في التخصصات الشرعية. أما الحاجة إلى الاستمرار فمعلوم أن الدين الإسلامي الذي جمع بين المحافظة على الروح والجسد لا يزال وضعه ذاك، فالإنسان لا يعيش إلا بطعام وشراب ولا بد له من اللباس ولا بد له من الهواء، فكذلك لا يعيش إلا بالغذاء الروحي، فالأمة نكستها ومصيبتها وبلاياها إنما كانت بمخالفتها لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم،  ولذلك الحاجة عظيمة إلى بقاء هذا المراكز والمدارس والمعاهد الشرعية وهذا أمر عاش عليه أسلافنا ورأينا الآثار والخيرات والبركات والنصر والتمكين لهم بسبب تمسكهم بذلك وتعلمهم أمور دينهم وما وصلنا إليه نحن من الضياع فبسبب إعراضنا عن العلم والعمل، قال تعالى: [...إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ...] {الرعد:11}.

 

الفرقان: ما تأثير الحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة على ما يسمى الإرهاب؟

 

الشيخ: إن ما يسمى بمكافحة الإرهاب أمر حدث فيه توسع، وقد قال العلماء كثيراً وقد بحت أصواتهم: إن كان الغرض من الإرهاب هو قتل الأبرياء وقطع الطرقات وتخويف الآمنين، فهذا محرم في الشريعة الإسلامية وفي القوانين الدولية، وإن كان هو الدفاع عن النفس وعن الدين وعن العرض والمال، وإن كان تعليم الناس أمور دينهم وتمسكهم بشريعة الله فإن الحرب على الإرهاب تحتاج إلى أن تقضي على أكثر من مليار ونصف من  المسلمين حتى تطمئن أنها قد قضت على الإرهاب، أما إذا كان الإرهاب هو كما ذكرت آنفاً قتل الأبرياء والتخويف وإقلاق الآمنين والأخذ للأموال والانتهاك للأعراض، فهذا موجود عند اليهود وعند النصارى، وموجود عند السيخ والهندوس والبوذيين على مستوى الحكومات وعلى مستوى  الشعوب والمنظمات والأحزاب، وإن كان قد وجد عند بعض المسلمين غلو وتشدد واعتداء فهذا مرفوض شرعاً من قبل علماء المسلمين الذين يعرفون الكتاب والسنة؛ ولذلك أنا في قناعتي أن المسألة ليست حرباً على جماعة من الناس بقدر ما ذلك حرب على الإسلام وعلى مناهجه. وأعتقد أن هذه المحاولة فاشلة.

 

نعم، قد تحقق بعض أغراضها باضطهاد بعض العلماء وتكميم الأفواه تحت مسمى محاربة ثقافة الإرهاب، لكن في الأخير سيكون الناس أكثر حماساً لدينهم وأكثر تمسكاً وربما ينموا الغلو والتشدد في هذا الأجواء أكثر من غيرها في أي وقت آخر.

 

الفرقان: ما حقيقة الرؤية ومخالفة المناهج التي تزعم أمريكا أن تلك المعاهد تروج لها؟ الشيخ: أما حقيقة الرؤية ومخالفة المناهج التي تزعم أن المعاهد تروج لها، فهذا غير صحيح فإذا كانت المعاهد مثلاً: منهجها التي تدرسه هو القرآن والحديث واللغة العربية والسيرة النبوية والفقه الإسلامي والمواريث، فأعتقد أن هذا هو الذي درسه آباؤنا وأجدادنا خلال التاريخ الغابر وما كان منهم إلا أنهم كانوا مجاهدين وكانوا كرماء وكانوا محسنين وكانوا رحمة للعالمين اتباعاً لنبيهم صلى الله عليه وسلم الذي قال الله فيه: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] {الأنبياء:107} فمن أين سيأتي التشدد، من دراسة العقيدة أم من مصطلح الحديث أو الفقه؟!

 

إن التشدد والغلو إلى الجاهل أقرب منه إلى العالم.

 

إن المسألة لا تأتي ممن يدرس أصول الفقه ويدرس مكارم الأخلاق والتزكية والرقائق إنما عندما يزداد خوف الإنسان من ربه وتعظيمه له ومحبته له سيكون رحيماً بالخلق داعياً إلى الحق هادياً للعباد إلى التي هي أقوم. 

 

وليس الغرب هو الذي يعلّم المسلمين أمور دينهم ويصنفهم بين معتدلٍ ومتشددٍ.

 

فأنا أعتقد أن هذا مغالطة مكشوفة يطرحها المحاربون للمناهج الإسلامية بينما نراهم يغضون الطرف عما يدّرسه اليهود من الأحقاد لتلاميذهم، ولم يتدخلوا في شئون الصينيين ومناهجهم، ولا اليابانيين، ولا الفلبينيين، ولا السيخ في الهند والهندوس هنالك فضلاً عن مناهج أوربا وأمريكا، وإنما القضية تدور حول المناهج الإسلامية فقط مما يدل على أن المسألة خاصة بالمسلمين مبيتة.

 

على كل حال هذه المدارس وهذه المساجد وهذه المراكز لا تدرس إلا الكتاب والسنة ولن تقبل الأمة بمن يأت اليوم ليغير لها منهجها من أجل أن يوافق ذلك رغبة الصليبيين حتى ولو سكتت الأفواه وظلم المسلمون وكتموا أمرهم لكن هذا الوضع ليس هو العلاج.

 

إن العلاج الحوار بالكلمة الطيبة والحسنى والمناقشة لرد الإنسان عن خطئه إذا وجد لا محاربة قناعته التي يأخذها المسلم من كتاب الله الذي قال الله تعالى: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] {الحجر:9}.

 

الفرقان: ما مستقبل التعليم الديني والمناهج المعتمدة في التعليم في ظل تلك الهجمة السافرة والتدخل الأمريكي في شئون المنطقة؟

 

الشيخ: على كل قد تمر الأمة بمحنة قد يمتحن كثير من المسلمين من خلال الضغط عليهم والتضييق عليهم في الدعوة لكن كما قلت: إن كان الغرض هو هذا فليس هذا الذي سينهي الأمة الإسلامية، بل يزيدها قوة كما حصل في  التاريخ فإن الصراع مستمر بين الحق والباطل منذ القدم ثم تكون العاقبة للمتقين، قال الله تعالى: [وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا] {الإسراء:81}.

 

الأمة الإسلامية لها ثوابت ولها رسوخ وهي تحمل هدى الله ونور الله الذي هو رحمة ربي للعالمين ولا حياة لأهل  الأرض إلا بوجود الإسلام، وهذه الطريقة قطعاً لن تضرها..،  نعم، قد تضيق الخناق فترة من الزمن كما حصل في التاريخ لكن في الأخير لن يزداد المسلمون إلا تشبثاً بدينهم.

 

أما إذا كان الغرض الحوار، فالحوار بين الحضارات كما يقال لا الصدام فالحوار قد ذكره الله تعالى مع أهل الكتاب قائلاً: [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] {آل عمران:64}، فالحوار والإقناع بين المختلفين هو العلاج الصحيح.

أنا أذكر على سبيل المثال: ما حصل عندنا في اليمن من الحوار بين بعض الشباب الذين حسبوا على القاعدة أو على الجهاد وبين الحكومة اليمنية، فقد شكلت لجنة برئاسة القاضي الأخ/ حمود الهتار ومعه مجموعة من العلماء، فكانت المناقشة لكثير من الشباب داخل السجون علاجاً وعلى إثرها خرجوا من السجون، خرجوا ليعبدوا الله وليدعوا إلى الله وليتعلموا أمور دينهم ويعلّموها بالحكمة والموعظة الحسنة بعيدين عن الصدام والصراعات، والآن يناقش أصحاب الحوثي بينما نرى في كثير من البلاد الإسلامية أن العنف يقابل بالعنف، فالمصادمات سببها التضييق ولها أسباب كثيرة منها: الجهل، والغلو، والتضييق، والفراغ القاتل الموجود، والتشديد والتضييق على العلماء وعلى المناهج، بينما رأينا فعلياً أن الحوار هو الذي يزيل الخلاف، فإذا كان هؤلاء الذين يزعمون من الغربيين أنهم يريدون للأمة الإسلامية أن تكون أمة معتدلة ولينة وهادئة فليتفضلوا للحوار وليطلبوا علماء المسلمين ليحاوروهم، فالدين عند الله هو الإسلام ولن يقبل الله غير الإسلام، قال الله تعالى: [وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] {آل عمران:85} هذا هو العلاج، أما المستقبل في ضوء هذا التضييق فأنا مقتنع أنه سيحصل تضييق على عدد من الأمة، لكن هذا التضييق لن يحل المشكلة بل تتفاقم المشاكل بسببه، وفي نهاية الأمر يكون النصر حليف المسلمين قال الله تعالى: [إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] {غافر:51}. والله أعلم.

نشر هذا الحوار في مجلة الفرقان الكويتية.

(1) معهد البيحاني (إب), ومعهد حضرموت للعلوم الشرعية (المكلا)، ومعهد الأمير الصنعاني (صنعاء), ومعهد عدن للعلوم الشرعية (عدن), ومعهد الإمام الشافعي  (الحديدة).

نقلاً عن موقع (المهدي).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
حوار مع الشيخ المهدي حول مستقبل التعليم الديني في اليمن
الاسم:  
نص التعليق: